20/01/2026
التسويق العطري
التسويق العطري
الهوية العطرية
تعطير المنتجات
التجارب العطرية
كتبه: عثمان ندا
هل ركبت يوما سيارة مرسيدس، فشعرت أنك تسنشق رائحة (الفخامة)؟
بداية لا بد أن نعرف ما هو التسويق الحسي؟ وماذا نعني بالتجارب الحسية؟
يُعرَّف التسويق الحسي بأنه التسويق الذي يهدف إلى إشراك حواس العميل الخمس (البصر، السمع، اللمس، التذوق، الشم) في تجربة المنتج أو الخدمة، بغرض التأثير على إدراكه ومشاعره وسلوكه الشرائي. هذا النهج يتجاوز التسويق التقليدي الذي يركز غالبًا على الرسائل البصرية أو السمعية المباشرة، ليخلق تجربة متكاملة تثير المشاعر، وتبني ارتباطًا عاطفيًا مع العلامة التجارية.
التجربة الحسية هي تلك اللحظة التي يشعر فيها العميل بأن المنتج أو المكان "يتحدث إليه" عبر أكثر من قناة حسية، فتتداخل الألوان مع الموسيقى، والروائح مع ملمس المنتجات، لتكوّن انطباعًا لا يُنسى. وتُظهر الدراسات أن التسويق الحسي يرسّخ العلامة التجارية في ذهن العميل، ويزيد من احتمالية تذكّرها، ويحفّز السلوك الشرائي عبر استثارة المشاعر الإيجابية.
في عالم مليء بالإعلانات؛ أصبح إشراك الحواس وسيلة فعّالة للتميّز، حيث تشير الأبحاث إلى أن الحواس الخمس تلعب دورًا رئيسيًا في تكوين ارتباط عاطفي، وتعزيز الولاء، وزيادة المبيعات.
ما هو إذن الأساس العلمي لـ (تأثير الروائح في السلوك)؟
العلاقة بين حاسة الشم والذاكرة العاطفية:
حاسة الشم ترتبط مباشرة بمراكز الذاكرة والعاطفة في الدماغ، وتحديدًا الجهاز الحوفي (Limbic System) الذي يضم الحُصين (Hippocampus) واللوزة الدماغية (Amygdala)، على عكس الحواس الأخرى التي تمرّ عبر محطة التوزيع العصبية (Thalamus)، تنتقل الإشارات الشمية مباشرة إلى هذه المناطق، ما يفسر قدرة الروائح على استحضار ذكريات ومشاعر قوية وفورية.
ظاهرة "تأثير بروست" (Proust Effect) تصف كيف يمكن لرائحة معينة أن تعيد للإنسان ذكريات طفولته أو لحظات خاصة عاشها، وتُظهر الدراسات أن الذكريات المرتبطة بالروائح أكثر وضوحًا وعاطفة من تلك المرتبطة بالصورة أو الصوت.
الإطار العصبي وارتباط حاسة الشم بالجهاز الحوفي:
الإشارات الشمية تصل إلى الجهاز الحوفي عبر مسار عصبي مباشر، حيث يتم معالجة الروائح في الحُصين (الذاكرة طويلة الأمد) واللوزة الدماغية (المشاعر). هذا المسار الفريد يجعل الروائح محفزًا قويًا للذاكرة العاطفية، ويمنحها قدرة على التأثير في المزاج والسلوك بشكل أسرع وأقوى من الحواس الأخرى.
تأثير الروائح على (المزاج، القرار الشرائي، مدة البقاء):
تشير مجموعة من الدراسات إلى أن الروائح تؤثر بشكل مباشر على المزاج، وتزيد من احتمالية اتخاذ القرار الشرائي، وتطيل مدة بقاء العميل في المكان. على سبيل المثال:
دراسة أجرتها جامعة واشنطن أظهرت أن العملاء في بيئة معطرة كانوا أكثر استعدادًا للشراء بنسبة 84% مقارنة ببيئة غير معطرة.
دراسة أخرى وجدت أن مدة بقاء العملاء في المتاجر ارتفعت بمعدل 15 دقيقة في البيئات المعطرة.
تعطير المساحات، أو الروائح المحيطة (Ambient Scent) يرفع تقييم جودة المنتجات، ويزيد من الإحساس بالرفاهية، ويدفع العملاء لاستكشاف المزيد من المنتجات.
التسويق الشمّي (العطري) بصفته جزءًا من التجربة الحسية:
التسويق العطري هو استخدام الروائح بشكل استراتيجي ضمن بيئة العلامة التجارية، أو استخدام الروائح العطرية ضمن أعمال التسويق للمنتجات، وذلك بهدف التأثير على مشاعر وسلوك العملاء. لا يقتصر الأمر على جعل المكان أو المنتج "يُشَمّ جيدًا"، بل يتعداه إلى اختيار روائح محددة تعكس هوية العلامة، أو تعظم من قيمة المنتج، حيث تتكامل الروائح مع العناصر البصرية، الصوتية، اللمسية، والذوقية، لتشكيل تجربة حسية متكاملة، تعزز صورة العلامة التجارية أو المنتج، وتزيد من تأثيرها.
ما الفرق بين الهوية العطرية والتسويق العطري؟
الهوية العطرية رائحة مميزة وفريدة يتم تصميمها خصيصًا لعلامة تجارية أو مكان ما، وتُستخدم باستمرار لتصبح "توقيعًا حسّيًا" للعلامة، تمامًا كما هو الحال مع الشعار البصري أو الصوتي. وتهدف الهوية العطرية إلى بناء ارتباط عاطفي طويل الأمد، وتعزيز الولاء، وتسهيل تذكر العلامة في كل نقطة تواصل. كما يمكن استخدام الهوية العطرية كنقطة انطلاق لممارسة عدد من أعمال التسويق العطري.
أما التسويق العطري: فهو توظيف الروائح في البيئة أو المنتج، أو التسويق لمنتج برائحته، أو تطوير تجربة معايشة المنتج، بهدف تحسين تجربة العميل، أو زيادة مدة بقائه، أو تحفيز الشراء، أو تعظيم قيمة المنتج. قد يكون ذلك عبر الروائح المحيطة (Ambient Scent)، أو عبر روائح مرتبطة بالمنتج نفسه.
التسويق العطري:
نحن نقسّم التسويق العطري إلى ثلاثة أقسام رئيسية بحسب الهدف من عمليات التسويق:
التسويق العطري البيئي (Ambient Scent) / التسويق برائحة المنتج / التسويق بالعطر للمنتج (Product Scent).
التسويق العطري البيئي (Ambient Scent):
وهو الذي نعرفه باسم (تعطير المرافق) أو (تعطير المساحات)، وهو عبارة عن نشر روائح عامة في المكان لتعزيز الجو العام والمزاج، ويهدف إلى تحسين تجربة الزائر والعميل، وإطالة مدة بقاء العميل، ما يزيد من فرص الشراء والتفاعل، ويزيد من قيمة السلة الشرائية، ويحفز الشراء العفوي. مع تعزيز المشاعر المطلوب إيصالها إلى العميل أو الزائر، وكثيرا ما تستخدمه الفنادق والمولات، والشركات ومكاتب العمل، إضافة إلى المتاجر وصالات البيع.
دراسة أجرتها سامسونج وجدت أن مدة بقاء العملاء ارتفعت بنسبة 40% عند تعطير صالات العرض الخاصة بها.
كما أن دراسة نايكي أظهرت أن العملاء كانوا أكثر استعدادًا للشراء بنسبة 84% في بيئة معطرة.
التسويق برائحة المنتج:
وهو نشر رائحة منتج لعلامة تجارية في مناطق التماس مع الجمهور المستهدف، عن طريق أجهزة النشر الذكية، وذلك لتحفيز رغبة العملاء الداخلية على اقتناء المنتج. وقد قامت دانكن دونات باستخدام هذه الوسيلة في كوريا للتسويق لعلامتها التجارية، حيث قامت بنشر رائحة القهوة في حافلات النقل العام التي تقف عند محطات يقع في محيطها فرع لدانكن دونات، فكان أثر ذلك ارتفاع نسبة زيارات الفروع 16%، وارتفاع المبيعات بنسبة 29%.
التسويق بالعطر للمنتج (Product Scent):
أو ما يسمى (تعطير المنتجات)، وهو عبارة عن إضافة رائحة عطرية للمنتج نفسه بغرض تعظيم قيمته وتحفيز العميل على اقتنائه وتعزيز تجربة استخدامه، ويمكننا التحدث عن هذا النوع من التسويق بعد تقسيمه لثلاثة أقسام بحسب نوع المنتج المطلوب تسويقه:
تعطير المنتج:
هذه العملية التسويقية تعتمد على إضافة روائح عطرية إلى المنتج، تعمل على نشر هالة حوله، تعزز من صورته الذهنية، وتحفز العميل على اقتنائه، كرائحة الأخشاب الفاخرة والجلود الطبيعية التي تشمها عند ركوبك سيارة مرسيدس أو بي إم دبليو، إنها روائح تجعل تجربتك تفوح بالفخامة والرقي، لا شك أنك حين ركبت سيارة مرسيدس ذات يوم شعرت أن للفخامة رائحة تُستنشق.
إضافة الروائح والنكهات:
وغالبا ما يتم استخدام هذه الطريقة في مستحضرات التجميل والعناية الشخصية والنظافة، فتُستخدم الروائح والنكهات لرفع قيمة المنتج وتحسين تجربة المستخدم، فمساحيق التجميل ذات الروائح الجميلة تحقق مبيعات تفوق عادة المساحيق التي لا تحتوي على رائحة، مرطب الشفاه الذي يشتمل على نكهة لذيذة يفوق المرطبات التي لا تحتوي على نكهة، كما أن مستحضرات التنظيف ذات الرائحة الممتازة تعطي شعورا بالنظافة لا تعطيه إذا لم تكن لها رائحة عطرية واضحة. هذا يذكرنا بأحد الفنادق أرادت إدارة التشغيل فيه تنظيف مرافقه باستخدام منظفات لا تحتوي على روائح عطرية، ما هي نتيجة هذه التجربة؟ اشتكى نزلاء الفندق من أن الغرف والمرافق لا يتم تنظيفها! لذا نقول إن للنظافة رائحة تُشم، العين لا تكفي وحدها للحكم.
التجارب العطرية:
تقوم هذه التجارب على استخدام الروائح ضمن فعاليات أو تجارب مؤقتة لتعزيز الانغماس وعيش تجربة تغازل كافة الحواس، وغالبا ما تفعل هذه التجارب في المعارض والفعاليات والحملات الموسمية، كما يتم استخدامها في دور العرض السينمائي. تخيل نفسك تحضر فيلم أكشن، تبدأ مطاردة مع اشتباكات بالأسلحة النارية، وإلى جوارها تنطلق روائح البارود والدخان واحتكاك الإطارات بالأسفلت، لا شك أنها ستكون تجربة مميزة ستتحدث عنها كثيرا.
لماذا نتحدث عن التسويق العطري اليوم؟
التحول نحو التجارب الحسية في التسويق:
شهد التسويق في السنوات الأخيرة تحولًا من التركيز على المنتج أو الخدمة إلى التركيز على التجربة الحسية الشاملة. العملاء اليوم يبحثون عن تجارب تثير مشاعرهم وتبني ذكريات، وليس مجرد شراء سلعة. التسويق العطري أصبح جزءًا أساسيًا من هذا التحول، حيث تشير الدراسات إلى أن 75% من المشاعر اليومية تُستثار عبر حاسة الشم.
التحول من التسويق التقليدي إلى التسويق التجريبي (Experience Economy):
في اقتصاد التجربة، لم يعد يكفي تقديم منتج جيد أو خدمة ممتازة، بل أصبح المطلوب خلق تجربة متكاملة تدمج الحواس وتبني ارتباطًا عاطفيًا. التسويق العطري يوفر للعلامات التجارية وسيلة فعالة للتميز، وبناء ولاء طويل الأمد، وزيادة المبيعات عبر خلق ذكريات حسية لا تُنسى.
دور الرائحة في الذاكرة والانطباع الأول:
الرائحة هي أول ما يلاحظه العميل عند دخوله المكان، وغالبًا ما تترك الانطباع الأول الذي يحدد مشاعره وسلوكه لاحقًا. الدراسات تشير إلى أن العملاء يتذكرون الروائح بدقة تصل إلى 65% بعد عام، مقارنة بـ 50% فقط للصور. هذا يجعل الرائحة أداة استراتيجية لبناء هوية العلامة وتعزيز تذكرها.
كيف أصبح العطر أداة استراتيجية للعلامات التجارية:
العلامات التجارية الرائدة تستخدم العطر كوسيلة لبناء هوية حسية متكاملة، وتعزيز الولاء، وزيادة مدة بقاء العميل، وتحفيز الشراء.
آفاق مستقبلية للتسويق العطري:
التجارب الرقمية المعطّرة:
مع تطور الواقع الافتراضي والواقع المعزز، بدأت الشركات في دمج الروائح ضمن التجارب الرقمية لتعزيز الانغماس، مثل أجهزة نشر الروائح الذكية المتزامنة مع المحتوى الرقمي.
الواقع الافتراضي والواقع المعزز:
تستخدم الروائح في تجارب الواقع الافتراضي لتعزيز الإحساس بالوجود، مثل إطلاق رائحة الغابة في تجربة افتراضية، أو رائحة القهوة في متجر رقمي.
الروائح المبرمجة (Programmable Scents):
ظهرت تقنيات جديدة تسمح ببرمجة الروائح وإطلاقها حسب السيناريو أو التفاعل، ما يفتح آفاقًا لتخصيص التجربة الحسية حسب رغبة العميل أو سياق الاستخدام.
مستقبل الهوية الحسية المتكاملة:
يتجه التسويق الحسي نحو دمج جميع الحواس (البصر، السمع، الشم، اللمس، التذوق) في تجربة متكاملة، مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لبناء ارتباط عاطفي أعمق، وخلق ذكريات حسية لا تُنسى.
تتجاوز الرائحة كونها مجرد عنصر جمالي أو وظيفي، لتصبح أداة استراتيجية في بناء العلامات التجارية، وتعزيز الولاء، وزيادة المبيعات، وتحسين تجربة العميل.
نجاح العلامات العالمية في توظيف التسويق العطري يؤكد أهمية الاستثمار في هذا المجال، مع ضرورة مراعاة التحديات الأخلاقية والصحية، وتبني الابتكار في التجارب الرقمية والواقع الافتراضي.
ندعو الباحثين والمسوقين إلى مواصلة البحث والتطوير في مجال التسويق العطري، واستكشاف آفاق جديدة لدمج الحواس، وابتكار هويات عطرية تعكس شخصية العلامة وتترك بصمة لا تُنسى في ذاكرة ووجدان العملاء.
المراجع:
العلاقة بين التسويق الحسي واستجابة العميل - مجلة الدلتا الدولية
LUXURY CAR DEALERSHIP INTRODUCES AMBIENT SCENTING - Mercedes-Benz
The Smell of Success: How Starbucks Uses Scent to Brew Loyalty
Scent Marketing for Retail: 11 Strategies & Examples - Shopify
Why scent identity can be a brand’s most powerful storytelling tool
Science Array Why Smells Unlock Forgotten Memories: The Proust Effect
A Review of Research on the Effects of Scent on Consumer Behavior
Multi-Sensory Branding: Integrating Scent with Visual, Audio and Textu – SCENT JOURNER
Scent marketing: why and how to measure the ROI of your olfactory signature?
The Use of Scent to Enhance Immersion in Virtual Reality, Streaming, and Broadcasting
Aromachology and Customer Behavior in Retail Stores: A Systematic Review
